القابلية للإستعمار

كتبهاخليفةالحداد khalefh@maktoob.com  ، في 4 مايو 2009 الساعة: 06:56 ص

 

تتنوع القيم عامة وتتعدد بقدر ما تتعدد المجالات التي تنطلق منها, كالدين, والأخلاق,و الجمال, وفي كل ما يتعلق بأمور الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وغيرها, ويبدو الإنسان أمام هذه القيم فردا في أسرة ومواطنا في أمة وعضوا في مجتمع إنساني ملتزما بما تلتزم به هذه الأوساط مع احتفاظه بفرديته واستقلال شخصيته. يتحمل من أجلها مسؤليته الفردية لا يخرج عنها ومسؤليته الإجتماعية بالتضامن تجاه الجماعة التي ينتمي إليها    والتي عادة ما ترى فيها مصادر للإلزام تحمل صفة الثبات غير قابلة للتغيير ولا يجوز المساس بها أو الحيدة عنها بالرغم مما يشهده العالم من تطور مذهل في شتى مناحي الحياة
تظل معها قيمة العدل و الحرية والصدق مثلا نقيضا للظلم والعبودية والكذب ولقد حاول مجتمعنا العربي الحفاظ على هذه القيم  وبذل من أجلها التضحيات الجسام أمام شتى الحملات التي  تعرّضنا لها عبر التاريخ وحتى الآن تنوعت وتعددت أيضا خلالها صور الغزو من التدخل العسكري المباشر  ؛حيث يعمل الغزاة كعادتهم على سيادة ثقافتهم وأساليبهم وطرق تفكيرهم بالقوة ومع انحسار مرحلة الإستعمار المباشر وانتشار حركات المقاومة التي عمّت الدول المستعمرة فيما عرف بالحركات الإستقلالية في أواسط القرن العشرين إلى نوع آخر من الغزو استهدف شتى مظاهر الحياة وهو ما اصطلح على تسميته بالغزو الفكر ي أو الغزو الثقافي من خلال امتلاك وسائله واحتكارها تأتي في مقدمتها  التطور التقني في مجال نقل الكلمة و الصورة واستخدامها في تقديم النموذج الغربي كمثال عصري ينبغي الإحتذاء به وخاصة بعد انتشار الشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية التي جابت الآفاق وأصبح معها العالم قرية صغيرة تهاوت أمامه الحدود والحواجز المادية والمعنوية  والمتاريس  الوطنية والقومية مع ما صاحب ذالك من تركز للثروة واتساع الفجوةبين الناس, واستفحال القيم المادية الجديدة التي أفرزتها العولمة  استأثر بها شمال الكرة الأرضية بصورة لا مثيل لها جعلت(400) شخص في العالم يمتلكون ثروة تفوق ما يملكه 2.5 مليار نسمة منسكان الأرض. و20% من دول العالم تمتلك 85% من مجموع المدخرات العالمية, فضلا عما يوازيه  من تباين آخر داخل كل دولة حيث تستأثر مجموعة قليلة بمعظم الدخل الوطني هم في الغالب ممن استلموا  السلطة وما تبقى من ثروة من  مستعمر الأمس وإذا كانت أهداف العولمة في الأساس أن يكون العالم مشرع الأبواب كمجال حيوي اقتصادي وأمني وثقافي يهيمن عليه ويتقاسمه الأغنياء والمسيطرون القادرون دولاً وأفراداً وفق معايير السوق. فمن الطبيعي أن تنتج عن ذلك تبعات ومخاطر تتعدى المجال الاقتصادي إلى المجالات السياسية والثقافية والهوية وأنماط العيش والقيم ..ولأي مراقب   لن يجد كبير عناء في أن الواقع المعاش في منطقتنا العربية يدفع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية وبعض القوى المتحالفة معهما في إطار إعادة النظر في أدوات وأساليب إدارة الصراع من القوى الإقليمية التي تتطلع إلى إيجاد موطئ قدم لها أو تبحث لها عن دور نراها جميعا تفعل ذالك على حسابنا ( كما لو كنا منطقة فراغ سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي) ومن أسف أننا كذالك بلا منازع ..أقول تسعى جميعا بقوة إلى العودة إلى مستعمراتها أو مناطق نفوذها التقليدية أو وراء طموحاتها في إعادة تدوير دورها(تركيا ) الدولة العثمانية الجديدة على سبيل المثال تماما كما هي الدولة الإيرانية في إطار لعب دور ثانوي( نقاط ارتكاز متقدمة ) أو ( قواعد ثابتة ) فضلا عن المتحركة ..للقوى العالمية المؤثرة وهنا تأتي الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوروبي في سباقها على منطقة لا زالت تزخر بثروات وإمكانيات مادية وبشرية رخيصة وفي ذالك ما يمكنها من ضمان تفوقها على العقل العربي الجاهز أصلا لتقبل كافة المستجدات مسلمات (قدر وقضاء!) ينبغي الإذعان لها دون مناقشة أو تردد على الأقل كما يرى النظام الرسمي العربي أصبح معه الكفاح المسلّح والدعوة إلى الحرية وتحرير الأرض وطرد الغزاة وانتزاع الثروة ( كقيم ثقافية عقدية في الأساس )من أيدي المستغلين أدوات بالية انتهت بانتهاء الحرب الباردة بل هي من قبيل الإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان المتفوق!! لا بل أسوأ من ذالك فقد شرعت انظمة على تغيير مناهجها الدراسية وحذف آيات وأحاديث تدعو إلى الجهاد بالمال والنفس ومقاومة الظلم والإستغلال ..كنا نقدّر ولازلنا نحرّض ونأمل أن جملة الإخفاقات في شتى الميادين ومختلف الأصعدة يمكن أن تكون الصدمة التي ستزلزل الكيان المريض   في انتظار رصاصة الرحمة لكن آمالنا ظلّت تعلو حينا ونحن نشهد بين الحين والآخر انتفاضة هنا وأخرى هناك من اجل الكرامة والخبز والدواء والماء والزوجة والولد واعتقدنا أنه قد استفزّها الواقع وحرّضها على الإنقضاض والتغيير اتخذ بعضها أشكالا منظمة وأخذ غيرها طابع التمرد والعصيان المدني والعسكري وفجأة تهوي إلى قرار سحيق ونحن نراها كلما اقتربت من تحقيق هدفها ترضيها ملاليم ودراهم معدودات لا تسمن ولا تغني من جوع فتعود كالهر يحكي صولة الأسد ..نراها تقف حائرة مستسلمة لغير قدرها يهزّها حنين إلى ممارسة حياتها العادية لاهية عابثة ماجنة كأنما تجيد هذه الجماهير إشعال الفتيل لتتركه عرضة للأنواء والأهواء كأنما تخصصت في انتزاع السلطة (بالإنتخابات أو الإستفتاءات ) أو حتى بالإنقلابات (النموذج الموريتاني) من أيدي جلاديها لترميها بين أيدي جلادين جدد ممن ثارت على أمثالهم يالأمس  وبعد .فهل لازال من المفيد الحديث عن الغزو الثقافي أم عن الإستلاب الثقافي ؟ أم عن ( القابلية للإستعمار ) كما يراها ( مالك بن نبي ) رحمه الله

 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا الحرية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “القابلية للإستعمار”


  1. عاشقة الورد ألف شكر لمرورك الكريم وسؤالك عن أخيك تحياتي للأسرة الكريمة دعينا نتواصل وإلى الأمام دائما

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

    اخي العزيز تحة لـ شخصك الكريم .. يحية إجلال ومحبة واخاء لمن يملك الحرف المزمجر .. تحية مسبوغة بـ حمرة الخجل أمام عظمة كلمتك الصادقة الصارمة …

    اتتبعك وبـ إستمرار .. فحرفك يروق لي .. لكن قد يلجمني قصوري عن مجاراتك عن أن اسطر لك في كل مرة …

    فـ اعذر لي ذاك التأخير …

    اتمنى لك دوم الصحة والعافية والتقدم …

    دمتْ بـ حفظ الرحمن أخي خليفة …

  3. أماني أيتها الأخت العزيزة حقا تفاجأت بتواجدك بهذه المثابة المتواضعة أما تعليقك ففي الواقع لم يفاجئني لإدراكي أنما ذالك من سمو أخلاقك وعلو همتك بارك الله فيك دعينا نتواصل وإلى الأمام دائما

  4. أماني أيتها الأخت العزيزة حقا تفاجأت بتواجدك بهذه المثابة المتواضعة أما تعليقك ففي الواقع لم يفاجئني لإدراكي أنما ذالك من سمو أخلاقك وعلو همتك بارك الله فيك و جم تواضعك دعينا نتواصل وإلى الأمام دائما



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر